السيد كمال الحيدري
58
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه
بعد أن ثبت لدينا كمؤمنين أنّ الله سبحانه وتعالى موجود ، وأنّ له نبيّاً مرسلًا ، بل أنبياء جاءوا بشرائع متعدّدة ، وأنّ العقل يدرك ضرورة الالتزام بالشريعة ، وأنّه تعالى أنزل ديناً كاملًا فيه تبيان كلّ شيء و . . . فإنّ الفرد المسلم سواءً كان في عصر حضور الإمام المعصوم ( عليه السلام ) أو في زمن الغيبة ، وسواءً كان قريباً من النصّ أو بعيداً عنه ، هذا الفرد إذا أراد معرفة مفردة من المفردات الدينيّة سواء كانت عقديّة ، أم أخلاقيّة سلوكيّة ، أم فقهيّة . . . فإنّ له طريقين لاكتسابها ومعرفتها . الأوّل : وهو الطريق السهل بأن يذهب مباشرةً إلى النبي ( ص ) أو الإمام المعصوم ( عليه السلام ) ويسأل عنها ، وهذا الطريق ليس بحاجة إلى اجتهاد واستنباط وإعمال الفكر ، ولا إلى طريقةٍ في الاستدلال ، ولا إلى معرفة العامّ والخاصّ ، والمطلق والمقيّد . بل هو يسأل عن تكليفه ويأخذه مباشرةً من المعصوم ( عليه السلام ) . وهذا طريق عموم الناس ، والحال التي عليها معظم الناس في عصرنا هذا ، حيث يأتون إلى الفقيه ويسألونه عن الأحكام ويأخذون الجواب مباشرةً ، كما لو سأل عن طهارة الكتابي فهو لا يحتاج إلى معرفة روايات الطهارة والنجاسة ، ولا إلى طريقة الجمع بين الروايات ، ولا إلى تفسير آيات الكتاب العزيز . الثاني : وهو الأكثر دقّةً والذي يذهب معه الإنسان إلى تحصيل العلم ومعرفة الأحكام بنفسه ، فيكون فقيهاً في الدين ، ومقصودنا من الدين : ما ورد في قوله تعالى : فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( التوبة : 122 ) . فالتفقّه في الدين لا يقتصر على الحلال ولحرام فقط ، لأنّ هذه لا تشكّل أكثر من نسبة خمسة بالمائة من الدين أو أكثر بقليل ، والتي عرضها وذكرها القرآن الكريم بحوالي 600 آية عُرفت بآيات الأحكام ، بينما سائر الآيات